الشيخ محمد رشيد رضا

644

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والمستودع ، وقفي عليه بانزال الماء ، وجعله سببا لنبات كل شيء من هذه الاحياء ، وكل منهما تفصيل لقوله في الآية الأولى من السياق « يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ » وقد لون في تفصيل خلق النبات الخطاب ، وتفنن في طرق الاعراب ، للتنبيه إلى ما فيه من أنواع الألوان ، وتشابه ما فيه من الثمار والأفنان ، فبدئت الآية بضمير الواحدة الغائب المفرد تبعا لسياق ما قبلها من هذه الآيات ، وعطف عليه ضمير المتكلم الجمعي بطريق الالتفات . إذ قال « فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ بعد قوله « أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً » فحكمة الالتفات أن تلتفت الأذهان ، إلى ما يعقب ذلك من البيان ، فتتنبه إلى أن هذا الاخراج البديع ، والصنع السنيع ، من فعل الحكيم الخلاق ، لا من فلتات المصادفة والاتفاق ، ولما كان الماء واحدا والنبات جمعا كثيرا ناسب إفراد الفعل الأول وجمع الفعل الآخر . ومعلوم أن الواحد إذا قال فعلنا أراد إفادة تعظيم نفسه إذا كان مقامه أهلا لذلك كما يقول الملك أو الأمير حتى في هذا العصر في أول ما يصدره من نحو نظام أو قانون « أمرنا بما هو آت » ونكتة العدول عن الماضي إلى المضارع في قوله « نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً » تحصل بإرادة استحضار صورته العجيبة في حسنها وانتظامها ، وتنضد سنابلها واتساقها ، وعطف عليه ما يخرجه تعالى من طلع النخل ، من القنوان المشابه لسنابل القمح ، في نضد ثمره وتراكبها ، ومنافعها وغرائبها ، فان في كل منهما أفضل غذاء للناس ، وعلف للدواب والانعام ، وذكر بعده جنات الأعناب ، لأنها أشبه بالنخيل في هذه الأبواب ، فالعناقيد تشبه العراجين في تكونها ، وتراكب حبها وألوان ثمرها ، كما تشبهها في درجات تطورها ، فالحصرم كالبسر والعنب كالرطب والزبيب كالتمر ، ويخرج من كل منهما عسل وخل وخمر ، ثم ذكر الزيتون والرمان معطوفا على نبات كل شئ أو منصوبا على الاختصاص ، لا على ما قبله من النخيل والأعناب ، لان ما بينهما من التشابه في الصورة ، محصور في الورق دون الثمرة ، وأما مكانهما من المنفعة والفائدة ، فالأول في الدرجة الثالثة والآخر في الدرجة الرابعة ، ذلك بأن الزيتون وزيته غذاء فقط ولكنه تابع للطعام غير مستقل بالتغذية ، والرمان فاكهة وشراب فقط ولكنهما دون فواكه النخيل والأعناب وأشربتهما في المرتبة ، فناسب جعله